ابن الجوزي
53
صيد الخاطر
فإذا آثرت مع قلة الفضول الفضول ، عدت على ما علمت بالازراء فشنت علمك « 1 » ودللت على اختلاط رأيك » . 17 - عصيان العلماء تأملت إقدام العلماء بالعقاب « 2 » على شهوات النفس المنهي عنها ، فرأيتها مرتبة تزاحم الكفر لولا تلوّح معنى ، وهو أن الناس عند مواقعة المحظور ينقسمون ، فمنهم جاهل بالمحظور أنه محظور ، فهذا نوع عذر ، ومنهم من يظن المحظور مكروها لا محرما فهذا قريب من الأول ، وربما دخل في هذا القسم آدم عليه السلام ، ومنهم من يتأول فيغلط ، كما يقال إن آدم عليه الصلاة والسلام نهي عن شجرة بعينها ، فأكل من جنسها لا من عينها ، ومنهم من يعلم التحريم ، غير أن غلبات الشهوة أنسته تذكر ذاك فشغله ما رأى عما يعلم ، ولهذا لا يذكر السارق القطع بل يغيب بكليته في نيل الحظ ، ولا يذكر راكب الفاحشة الفضيحة ولا الحد ، لأن ما يرى يذهله عما يعلم . ومنهم من يعلم الحظر ويذكره « 3 » ، غير أن الأخذ بالحزم أولى بالعاقل ، كيف وقد علم أن هذا الملك الحكيم قطع اليد في ربع دينار ، وهدم بناء الجسم المحكم بالرجم بالحجارة ، لالتذاذ ساعة ، وخسف ، ومسخ ، وأغرق . 18 - اللّه يمهل ولا يهمل من تأمل أفعال الباري سبحانه ، رآها على قانون العدل ، وشاهد الجزاء مراصدا للمجازى ، ولو بعد حين . فلا ينبغي أن يغتر مسامح ، فالجزاء قد يتأخر . ومن أقبح الذنوب التي قد أعد لها الجزاء العظيم الاصرار على الذنب ، ثم يصانع صاحبه باستغفار وصلاة وتعبد ، وعنده أن المصانعة تنفع . وأعظم الخلق اغترارا من أتى ما يكرهه اللّه ، وطلب منه ما يحبه هو ، كما روي في الحديث : « والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني » . ومما ينبغي للعاقل أن يترصده ،
--> ( 1 ) أي أن عملك هذا أزرى على علمك وشانه . ( 2 ) الجار والمجرور متعلقان ب ( العلماء ) أي اقدام العالمين بعقاب الشهوة . ( 3 ) على هامش النسخة الخطية : لعل هنا سقطا وتقديره : ومنهم من يعلم الحظر ويذكره غير أنه يغتر بالحلم والعفو . وهذا وان كان صحيحا غير أن الاخذ بالحزم أكمل .